أحمد بن علي القلقشندي
198
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
لأبيض الشّعر ؛ أعطيناه دراهم تفنى ، وثيابا تبلى ، ورواحل تنضى ، وأعطانا ثناء يبقى ، وحديثا يثنى ، ومكارم لا تبلى . فلهذه الخصال تكاملت خصال المجد فيهم ، فظهر عنوان كرم الخير عليهم ، فصاروا في زمانهم منارا ، ولمن بعدهم أعلاما . وليس تتمّ معاني كرم المنعم ، ومعاني وفاء الشاكر ، حتّى تتوافى أقوالهما ، وتتّفق أهواؤهما على تدافع الحجة ، والإقرار بالمعجزة ، فيزداد بذلك المنعم فضلا والشّاكر نبلا . هذا جملة القول في خصلتين من الأربع التي قدّمنا ذكرها ، وشهرنا أمرها . والخصلة الثالثة : الدّيانة بالشّكر ، والإخلاص للمنعم في تصفية الودّ ، فإن الدّين قائد المروءة ، كما أن المروءة خطام ( 1 ) الحميّة . وهذه الخصال وإن تشعّبت في بعض الوجوه ، وافترقت في بعض الأماكن ، فإنها ترجع إلى نصاب يجمعها ، وإلى إناء يحفظها ، منه نجمت ، وعنه انبثّت ، وإليه رجعت . ولاجتماع هذه الخصال على مخالفة الهوى ، ومجانبة الهوينى ، وعلى اتّهام دواعي الشّهوة ، والامتناع من كلب الطَّبيعة - وفّق الأوّلون بينها في جملة الاسم ، وقارنوا بينها في جمهرة الحكم . ولذلك قال عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه : اعتبر عزمه بحميّته ، وحزمه بمتاع بيته . ومدار جميع الأحوال المحمودة على الصّبر ، ولن يتكلَّف مرارة الصّبر من يجهل عاقبة الصّبر . وقالوا : لمّا صار ثقل الشّكر لا يحتمل إلا بالصّبر ، صار الشّكر من نتاج الصّبر . وكما أنه لا بدّ للحلم - مع كرم الحلم - من الصّبر ، فكذلك لا بدّ للشّكر - مع كرم الشّكر - من الصّبر . فالصّبر يجري مع جميع الأفعال المحمودة ، كما يجري الهوى مع جميع الأفعال المذمومة . ولذلك قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « خلق اللَّه عزّ وجلّ النّار وحفّها بالشّهوات ، وخلق الجنّة وحفّها بالمكاره » .
--> ( 1 ) الخطام : الزمام .